مصطفى مسلم
67
مباحث في إعجاز القرآن
أساليبهم بعد التحدّي . ولو أن العلوم سلبت منهم فلما ذا لم يلجئوا إلى كلام فصحائهم من القدماء الذين لم يحضروا عصر التنزيل ولم تسلب منهم العلوم ، فيأتوا بقطعة شعرية أو خطبة محفلية فيعارضوا بها القرآن ؟ ولما ذا لم ينطقوا بهذا السلب ويشيعوا بأنهم سلبوا علومهم فلا يقدرون على معارضة القرآن ؟ . ولا يقال إن ذلك سيكون حجة عليهم ملزمة لهم لتصديقه ، لأن باب الافتراء كان مفتوحا عندهم ، فكانوا يستطيعون أن يدّعوا أن علومهم سلبت بطريق السحر كما افتروا إن تأثير القرآن على الأنفس إنما هو من قبيل السحر . إن الذين ادعوا أن إعجاز القرآن كان بسلب العلوم ، يثبتون للعرب قدرة هم لم يدعوها لأنفسهم ، بل جاء على لسان أهل البيان منهم ما ظهر الحق عليه من غير إرادة منه ( ما يقول هذا بشر ) . وإن كان القرآن غير معجز بشيء ذاتي فيه ، وإنما لم يعارضه العرب لصرف دواعيهم عن المعارضة أو لسلب العلوم منهم ، فهل أحس النّظّام والمرتضى بما وصفوا العرب به من صرف وسلب ؟ فلما ذا لم يأتيا بمعارضة للقرآن ، وكان النّظّام من الأذكياء الماهرين كما يشهد له تلميذه الجاحظ ، والمرتضى مشهود له أنه كان من فرسان البلاغة والبيان ؟ . إننا نقول إن تحدّي القرآن وإثبات العجز للناس ليس مقتصرا على عهد النبوة فقط بل هذا التحدّي قائم ، وهذا العجز من البشر ثابت إلى قيام الساعة . فمن قال بالصرفة فليحاول هو ، وهل يحسّ بشيء من الصرف أو السلب في نفسه ؟ . إن استعظام العرب لفصاحة القرآن وبلاغته وتعجبهم من ذلك لهو دليل على بطلان الصرفة ، فلو كانوا مصروفين عن المعارضة بنوع من الصرف لكان تعجبهم للصرف لا للبيان المعجز . ولو كان هنالك سلب علومهم لكان الفرق بين كلامهم بعد التحدّي وكلامهم قبله كالفرق بين